حسن بن حمزة الشيرازي ( شرف البلاسي )

71

رسالتان في الحكمة المتعالية والفكر الروحي

وارد ربّاني إعلموا رفاقي أتحفكم اللّه بموارد الغيوب وألحقكم برداء شواهد القلوب ، أنّي لمّا قدمت من أرض الحجاز سنة ثلاث وثمانين وستمائة ، وكانت الوقفة يوم الجمعة ، وكان أمير ركب الديار المصريّة الباشقريّ وأمير ركب الشام عزّ الدين بن عزّ الدين الكردي ، إلى مدينة دمشق حرسها اللّه تعالى ، سكنت جبل قاسيون واخترت مغارة تعرف بابن الشلام 64 وجلست فيها على نيّة الخلوة فارغا من المطعم والمشرب مجموع الهمّ متوجّها إلى الحقّ تعالى ذاكرا له باسمه الأعظم وهو اللّه ، لأنّه دليل الذات الجامعة للصفات الآلهية كلّها ، حتى لا يشذّ منها شيء ، وسائر الأسماء لا تدلّ آحادها إلّا على آحاد المعاني ، وهو أخصّ أسمائه تعالى ، إذ لا يطلقه أحد على غيره تعالى لا حقيقة ولا مجازا . ولهذا توصف سائر الأسماء بأنها اسم اللّه وتعرف بالإضافة إليه ، لكونه أدلّ على كنه المعاني الآلهية وأخصّ بها ، وهو أشهر وأظهر فاستغنى عن التعريف بغيره ، وعرف غيره بالإضافة إليه . مستغرق القلب والهمّة به لا أرى غيره ولا ألتفت إلى سواه ولا أرجو ولا أخاف إلّا إيّاه ، إذ هو الموجود الحقيقيّ الحقّ وكلّ ما سواه فان وهالك وباطل إلّا به تعالى ، وكنت أرى نفسي أوّل هالك باطل ، كما شهده رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم وصدّق من شهد ذلك ، فقال : أصدق بيت قالته العرب : « ألا كلّ شيء ما خلا اللّه باطل » 65 . فبينا أنا ذاكر متألّه 66 في الذكر منتظر ما يرد عليّ من خزائن جوده وأنوار وجوده وأسرار شهوده ، إذ هتف بي هاتف وهو يقول : يا مسكين هو القريب منك وأنت البعيد عنك ، هو القريب منك بالعينيّة وأنت البعيد عنه بوهميّة الغيريّة ، إنّما تطوّر فيك لتكمل به ويكمل فيك لا لتحتجب بوهمية التعدّد لديك من إدراك حقيقة التوحيد فيك . هو عند كل شيء بجوهر ذاته لا بكلّيّته ، إذا الكلّية لا تستولي عليه لرجوعها للحصر وافتقار الحصر إليه ، لا يحمل أثقال التكليف إلّا أساس الأنانيّة . لا يحجبك عن إدراك كمال الوجود فيك إلّا استيلاء سلطان الغيريّة عليك . لولا